مجموعة مؤلفين
150
مع الركب الحسيني
فأقبل عليه محمّد بن الأشعث فقال : يا فتى ! لك الأمان ، لا تقتل نفسك ! « 1 » فأقبل يقاتلهم وهو يقول : أقسمتُ لا أُقتلُ إلّا حُرّا * وإنْ رأيتُ الموتَ شيئاً نُكرا كُلُّ امريء يوماً مُلاقٍ شرّا * ويُخلط البارد سُخناً مُرّا رُدَّ شعاع الشمس فاستقّرا * أخافُ أنْ أُكذَبَ أو أُغَرّا « 2 » فقال له محمّد بن الأشعث : إنّك لاتُكذَب ولاتُخدَع ولاتُغرّ ! إنّ القوم بنو عمّك ، وليسوا بقاتليك ولاضاربيك ! وقد أُثخن بالحجارة وعجز عن القتال ، وانبهر فأسند ظهره إلى جنب تلك الدار ، فدنا محمّد بن الأشعث فقال : لك الأمان ! فقال : آمنٌ أنا ؟ قال : نعم ! وقال القوم : أنت آمن ! غير عمرو بن عبيداللّه بن العبّاس السلمي فإنه قال : لاناقة لي في هذا ولا جمل وتنحّى .
--> ( 1 ) كان صاحب اقتراح الأمان هو ابن زياد نفسه - كما سوف يأتي - فقد كان يعلم أنّ جندهلايقدرون على مسلم عليه السلام إلّا بأمان ! ولذا كان ابن زياد قد أوصى ابن الأشعث قائلًا : « أعطه الإمان ، فإنّك لن تقدر عليه إلّا بالأمان ! » ( الفتوح ، 5 : 94 ) . ( 2 ) في هذه الأبيات الثلاثة - وهي من بحر الرجز - من البلاغة العالية والصدق والحرارة ما يجعل النفوس إلى اليوم تتأثر تأثراً شديداً بها ! فهو عليه السلام يقول : إنّه قد صمّم على الاحتفاظ بحريّته ولو أدّى هذا إلى قتله - والموت لاتشتهيه النفوس عامة وتنفر منه - والإنسان كما يرى ما يسرّه يلاقي أيضاً ما يسوءه ، هكذا تتقلب الدنيا بأحوالها وأهلها ، فالبارد الحلو لابُدّ ان يُخلط بساخن مُرٍّ ، وشعاع الشمس الدافق بالحياة والنشاط لابدّ أن يرتدّ في النهاية ويستقرّ إذا حجب الشمس حجابٌ ! وكذا الإنسان لابدّ بعد موت أو قتل أن يهدأ ويستقرّ بعد حيوية وتدفّق ونشاط .